الأحد، 9 أكتوبر، 2011

أسس صناعة الأجيال

نورس الشباني

توجهتُ إلى مكتب المحامي لتوكيله بدعوى خاصة بي فوجدتُ عنده إحدى المراجعات التي آلمني سماع صوتها الحزين و رؤية تعابير وجهها اليائس المتعب ما دعا فضولي لسؤال المحامي عن قضيتها فأجابني بأنني أضطر في مهنتي أحياناً إلى الدفاع عن قضايا خاسرة و أنا أعرف ذلك سلفاً و يكون السبب  غالباً في هذا اجتماعياً و لكن هذا ليس صعبٌ عليَّ تقبله بقدر صعوبة تقبل تلك القضايا التي يكون فيها المجرم مجرماً بسبب ظروف تنشئته المحطية به و التي أدت إلى جعل روحه الطيبة داخل جسد وحش كاسر يرهبُ كل من يراه .
و كان (سامر) أحد هؤلاء و هو ابن قريب لي  والده قاسي القلب و متحجر التفكير و قد عرفتُ (سامر) مذ كان طفلاً في السادسة من عمره هادئاً، منعزلاً و مختلفاً عن بقية الأطفال حيث كبتَ فيه والده روح الطفولة حين أحضره ليعمل معه في مخبزه القريب من دارنا منذ نعومة أظفاره و حرمه من دخول المدارس رغم تمكنه من ذلك . كانت الأيام تمضي عليه و هو يصارع قسوة والده و سماع إهاناته و ضربه لأبسط الأسباب و يستخدم في ذلك مختلف أنواع الضرب حتى كان يستخدم أداة حديدية اكتسبت حرارتها من حرارة المخبز و في أوقات عصبيته غير المبررة لا يشعر (سامر) بنفسه إلا و هو يحلِّقُ من يدي والده إلى الجدار المقابل لهما فيقع على الأرض مغشياً عليه من شدة ألم الصدمة ، و ها هو أتم العشرين ربيعاً من عمره  لم يدرس فيها إلا في مدرسة الزمن الذي لم يميز قسوته عن قسوة أبيه ، و من رأيتها الآن كانت والدته المسكينة التي تعاني الأمريَّن في عيشها مع هذا الرجل و خسارتها لابنها في الوقت ذاته و هي تطلب مني الدفاع عن ابنها الذي بات وراء القضبان تنهال عليه الاتهامات بأعمال الشغب و تعاطي المخدرات و السرقة من دون الالتفات إلى الأسباب التي أوصلته إلى هذا الحال فالقانون أداة للحكم لا تستند إلى المشاعر كي تضمن العدل في جميع المواقف و الحالات .
و نهاية سامر تلك لم يكن فيها وحده بل كان فيها أقرانه ممن نهج أهلهم في تربيتهم منهجاً خاطئاً و اتبعوا أساليب بعيدة عن الصواب و هي أقربُ إلى ما تكون عليه همجية و فوضوية .
و على اعتبار أن الأسرة هي نواة المجتمع فإن صلاحها يقترنُ به صلاح المجتمع و فسادها يؤدي إلى فساده و لكي تكون الأسرة صالحة يجب أن يصلح عمادها و موجهها الرئيسي و هو الوالدان من دون الاستغناء عن دور أحدهما المكمل للآخر فالأب مثلاً ليست مهمته توفير الغذاء و الكساء كي يكون أباً و لا يكفي أن تعد الأم الطعام و الشراب و غيرها من أعمال المنزل كي تفي حق الأمومة بل على كل واحد منهما واجبات عليه القيام بها لجعل أسرته مكوناً فعالاً في المجتمع . و الدين الإسلامي لم يترك صغيرة و لا كبيرة إلا و قام بشرحها و تفصيلها و نالت التربية فيه شرحاً موسعاً و واضحاً بيّنَ المكانة التي يحتلها الوالدان عند البارئ جل و علا و كذلك ضمان حقوق الطفل و احترامها و معرفة هذه الأمور و فهم تفاصيلها سوف يقودنا حتماً إلى تربية صحيحة و ناجحة .
و يحتاج الطفل أثناء التربية إلى تسلسلها بشكل صحيح و مدروس كي تعطي ثمارها الطيبة فلا يقوم الأبوان ببث التعاليم إلى أبنائهم بشكل مكثف و لا يختزلونها حتى تفقد قيمتها فصعود السلم التربوي يكون بخطى ثابتة و مدروسة و يكون درجة تلو الأخرى لأن الصعود السريع يليه سقوط سريع أيضاً و يكون الدين و العلم و الثقافة هم المتكأ لصعود هذا السلم بعيداً عن استخدام الضرب و التفوه بالإهانات و الأساليب الفظة التي لن تعود إلا بذهاب الهيبة و قلة الاحترام سواء كان على الوالدين أو الأطفال ، لذلك عليهما محاولة احترام الأطفال و عدم الاستهزاء بأسئلتهم و استفساراتهم و تسخير طاقاتهم بطريقة بناءة حيث أن الطفل في المراحل الأولى من حياته على استعداد تام لاستقبال المعلومات بأنواعها و حفظها و إعطاء الأطفال الإجابات الصحيحة بطريقة مفهومة يؤدي إلى تنمية طرق تفكيرهم و توسيع مداركهم فمثلاً حين يسأل الطفل عن سبب تقبيل والده ليد جده فإن الإجابة هي التي ستقوده لتقبيل يد جده و أبيه أيضاً أو رفض هذا المبدأ تماماً و يبدو أن الإجابة لأطفالنا كانت بطريقة جعلتهم يبتعدون عن هذه العادات و التقاليد التي أشتاق لرؤيتها في بيوتنا مرة أخرى .
و لا يمكن أن ننسى إن الطفل يبدأ بتكوين شخصيته متأثراً بالأشخاص و المحيط الذي يعيش فيه و يكوّن أفكاراً مختلفة ربما تكون خاطئة و ربما صائبة و هنا يأتي دور الوالدين في توضيح كل الأمور لأبنائهم بصورة مبسطة و زرع الثقة في أنفسهم و تشجيعهم على معرفة حقوقهم و القيام بواجباتهم مما يعزز شعورهم بالمسؤولية تجاه أنفسهم و من حولهم و في نفس الوقت لا نهمل فطرة الطفل الغريزية لديه من لعب و لهو و لكن بالطرق و الأدوات التي تبني شخصيته بصورة سليمة و التي تضمن أفضل النتائج بأبسط الوسائل .
و الكل يدرك أن الطفل كالصفحة البيضاء ، هي على استعداد تام كي نملي فيها القيم و الأخلاق و الأفكار و العادات و التقاليد السامية التي نريد لأطفالنا أن ينشئوا عليها و لكي نضمن نجاحنا في هذا المسعى على الكتابة أن تكون بطريقة واضحة و كلمات صحيحة و مدروسة تستند إلى قواعد التربية السليمة و إلا فعلى الآباء أن يستعدوا لأي خيبة أمل في أبنائهم الذين غالباً ما سيسلكون طريقاً خاطئة تؤدي بهم إلى الفشل و الضياع .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق