السبت، 23 يوليو، 2011

صفحة المليون دولار

نورس الشباني
يوجد الإبداع في كل إنسان و الأفكار الخلاّقة في كل عقل و لكن الإنسان الناجح هو من يوجه إبداعه و أفكاره بما يحقق أحلامه و طموحاته و قد قرأتُ عن أحد هؤلاء وهو شاب في الواحد و العشرين من عمره قام بإنشاء صفحة المليون دولار و التي تتألف من مليون بكسل و عرضها للإيجار بدولار للبكسل الواحد و لمدة خمس سنوات كمساحة إعلانية و لم تمضي إلا بضعة أشهر و إذا بالصفحة بيعت بالكامل و حصل هذا الشاب على مليون دولار ما كان يتأمل إلا الحصول على ما يكفيه لدراسته الجامعية منها إذ إنه أراد الاعتماد على نفسه و عدم اقتراض المال من شخص آخر أو الإثقال على أهله الذين أوصلوه إلى هذه المرحلة بالتعب و السهر و العناء فجلس مع نفسه و فكر حتى توصل إلى هذا الحل البسيط الذي بدأ ببذرة صغيرة أعطت فيما بعد ثمارها الطيبة و حقق بذلك النجاح الذي استند على رأس مال بسيط لا يمكن أن يخسر صاحبه و هو الفكرة و طموحه و شعوره العالي بالمسؤولية و ثقته الكبيرة بنفسه و قوة إدراكه و تفكيره .
فما الذي يميّز ذلك الشاب عن غيره حتى تمكنَ من الوصول لهدفه ؟ ألم يكن إنساناً عادياً مثلنا ؟ بالتأكيد هو لا يختلف عني و عن غيري من البشر بشيء فنحن خلقنا الخالق الواحد و وهبنا جسداً مكوناً من نفس المكونات و هذا ما أكده العلماء الذين قارنوا بين دماغ العالم إسحق نيوتن بعد وفاته و دماغ شخص نقيض لذكاء هذا العالم فلم يجدوا أي اختلاف و لو بسيط بين الدماغين ، و الكل يعلم إن نيوتن لم يكن شخصاً مميزاً خاصة في مراحل حياته الأولى و لكنه اتجه إلى فرع من فروع العلم في مرحلة الجامعة و هو علم البصريات  والرياضيّات التطبيقية فتعمق في دراسته و أجاد فيه كما أجاد في علوم أخرى كالفيزياء و غيرها و صار يستنبط القوانين من الأحداث الطبيعية حوله مثل وقوع التفاحة على رأسه الذي جعله يتوصل إلى قانون الجاذبية بدلاً من أن يغضب ملتفتاً إلى الألم الذي سببته له فاستلهم من ذلك فكرة سن بها قانوناً حيث كان يعتمد هذا العالم على شيء علينا اعتماده جميعاً و فكرته هي (( إنني أبدو مثل طفل يلعب على ساحل البحر و يجد من وقت لآخر حصاة ملساء أو قوقعة جميلة أجمل من مثيلاتها إلا إن الحقيقة تمتد أمامي مثل محيط واسع عظيم لم أكتشف منه شيء بعد )) .
و نحن نعيش على ساحل هذا البحر أيضاً لكننا نادراً ما نبحث عن الحقائق كي نتوصل إلى الأفكار التي تقودنا إلى التقدم و ربما نكون قد فعلنا ذلك بعهد سابق إلا إن إبداعنا حالياً بدأ يتلاشى تدريجياً و صارت الدول التي أخذت الحضارة من بلدنا العريق تتطور بسرعة لم نستطع مجاراتها و توقفنا عن محاولة هذا و اتجهت عقولنا من توليد الأفكار إلى استيرادها و التأثر بالمحيط بدلاً من التأثير فيه على الرغم من حاجة العقل إلى التفكير للمحافظة على ديمومته و حيويته المستمرة مما يؤخر الشيخوخة و ينعكس بالفائدة علينا و على من يحيطون بنا . فالأفكار الصحيحة هي التي تقود الفرد و المجتمع إلى التطور و هذا يشهد عليه توصل اليابان إلى ما هي عليه الآن من التطور الصناعي على بقية الدول حيث يعتمد الفرد هناك على الأفكار و استغلالها بشكل جيد و التشجيع على توليدها و تهيئة الظروف المناسبة لتنفيذ الصالح منها و غيرها من الصفات الأخرى التي جعلتنا و غيرنا نضرب المثل بذكاء اليابانيين و نشيد باختراعاتهم و نطلبها بكثرة .
و لا تقودنا أفكارنا إلى التقدم نحو الأمام و بناء النجاح فقط فكما لكل شيء جانبان سيء و جيد فإن لبعض الأفكار هذين الجانبين فمنها ما يعود علينا و على غيرنا بالخير و منها ما يعود بالشر و هذا لا يقتصر على المفكر فقط بل على من يطبق الفكرة أيضاً فالطاقة النووية تستخدم للسِلم قبل أن تكون للحرب إذ يمكن استخدامها في توليد الطاقة الكهربائية و في مجال الطب و تحلية مياه البحر و غيرها من التطبيقات السلمية و لكن هناك من يستخدمها في الحروب لتكون ذات تأثير أكثر فتكاً و قوة .
و هنا تبرز قدرة الإنسان على التحكم بأفكاره و أفعاله لتقوده إلى طريق الأمان لا الهلاك و بما أن مقياس تطور الشعوب يزداد بازدياد عدد المفكرين فيها و هو ما جعلها في صراع مستمر لتكون الأفضل لذلك علينا مواكبة عجلة التقدم هذه و أن لا نفكر فقط في مجاراة أولئك المفكرين بل التفوق عليهم و هذا لا يتم بالجهد العضلي فقط بل عليه الاقتران بالجهد الذهني و إخراج عقولنا من حالة السبات التي نعيشها إلى حالة النشاط و إيجاد الأفكار التي ترتقي بنا لنكون الأفضل بينهم إذ إن الإنسان وصل إلى ما هو عليه الآن بفضل نعمة العقل و حين تلد عقولنا أفكاراً تستند إلى أسس دينية و ثقافية و اجتماعية و علمية سليمة فإن العالم سيزدهر و يستمر الإنسان بالتطور و عندما تكون أفكارنا متجددة و بناءة نضمن النجاح .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.