الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

عذراً على جرأة الموضوع


نورس الشباني

اكتشفتُ مؤخراً مكاناً في مدينتنا الصغيرة يطلُ على زمان جديد و حضارة غريبة و هو الإعدادية المركزية المسائية حيث تخيلتُ نفسي قد تجاوزتُ الستين من عمري رغم أنني لم أصل الثلاثين ، فكل العادات و التقاليد التي أعيشها و معتقداتي الدينية التي ترتب حياتي و تقوّم أخلاقي بدا كل ذلك مندثراً أمام الصورة التي عكسها الطلاب الواقفون أمام هذه المدرسة ، فأحدهم قام بإفراغ عبوة (الجل) على رأسه حتى تجمد شعره تماماً ، و آخر ارتدى بنطالاً ضيقاً التصق بجسده بشدة حتى إنه يتحذر في مشيه خوفاً من حصول فضيحة ما ، و فاقهم آخر تخيل الرجولة في سيجارة يضعها في فمه ثم يخرج الدخان بطريقة يقشعر لها البدن ... 
و أثناء تسمري أمام هذا المنظر و إذا بفتاة تأتي لتزيد الطين بلّة و هي تمشي متغنجة بينهم و ترسل بنظراتها المتلصصة لكل واحد منهم و كأنها تستجدي كلمة غزل أو صديق لفترة قصيرة ، و أخرى تعاتب واحداً منهم على مشكلة بينهما و ترمي بنفسها أمام السيارات متظاهرة بمخاصمته.
الصدمة جعلتني أرسم صورة لمستقبلنا القريب الذي وضعناه بين أيدي هؤلاء الشباب فبدت لي كما وصفها الشاعر (معروف عبد الغني الرصافي) "إذا خيّم الجهل على بلاد   رأيت أسودها مسخت قروداً"
و أجزم إن الجهل المقصود لا يشمل الحث على التعلم في المدارس بالطريقة التي يطبقها أغلبنا و هي حفظ المعلومات للحصول على علامات ناجحة فقط بل يقصد العلم الذي نفيد منه للنجاح في جميع أمور الحياة و طريقة تعاملنا معها و الذي يساهم في بناء أخلاق الإنسان و تكوين شخصيته بصورة سليمة ليقوم هذا الإنسان ببناء الأمة فيما بعد ، و الواقع الذي رأيته أثبت وجوده في أكثر من مكان غير هذه المدرسة و أصبح يتكرر كثيراً و كأنه شيء روتيني أو أمر مفروغ منه و الذي يفصح إن زمان الأسود في مدينتي بدأت تذروه رياح الغرب بعيداً حاملة معها تقاليدنا و عاداتنا ، مستبدلة إياها بتقاليد فاشلة و عادات سيئة ، و هو واقع يستحق التفكير في تداركه بسرعة كي لا ينتهي الحال بآبائنا و أمهاتنا و هم يتبادلون التعازي لاحتواء بيوتهم على أشباح لرجال و نساء المستقبل بدلاً من رجالٍ حقيقيين و نساء فاضلات .
و ربما قد بدئوا بذلك فعلاً حيث يعطي بعضهم رأيه في هذه الأجيال إنه " لا يمكن الاعتماد عليهم" و رأي آخر يقول "بأنهم أجيال يُخاف منها" لكن عند تحليل الأمر جيداً نجدهم طاقات غير موجهة يبدأ إعدادهم السليم من داخل البيوت أولاً التي يقوم فيها أغلبنا (للأسف) بتقديم الزاد خالياً من التقوى و نلبس أبنائنا فيها لباس الجاهلية الخالي من العفة و في النهاية نعزو أفعالنا هذه للتطور و الحرية و الديمقراطية التي أدى فهمنا الخاطئ لها إلى الفشل في تطبيقها ، ثم تأتي مهمة المدارس ثانياً التي اقتصر الحال في أغلبها إن لم يكن جميعها على التعليم دون تربية رغم حملها لإسم (التربية و التعليم) و باتت الأيام التي كنا نرى فيها المعلم و هو يسعى لصنع جيل قوي و ناجح منا ، من الأيام التي تُذكر لكن لا تُعاد .
و لو تعاون البيت مع المدرسة على إعداد الأبناء بالصورة الصحيحة فإن ذلك لن يترك فرصة للشارع بأن يؤثر عليهم ، بل إن الشارع لن يبقى فيه من يعبث بأخلاقهم و تكوين شخصيتهم ، و البدء بمحاربة العادات البربرية الدخيلة و التطور (و الأصح نقول التدهور) الذي يسحبنا إلى الوراء و يتسبب بجعلنا سخرية لباقي الأمم و يقدمنا كمقتبسين منهم لا أمة خلاقة ، البداية بمحاربة كل ذلك ستكون أول و أهم خطوة على درب النجاح و التقدم .

هناك 4 تعليقات:

  1. عاشت ايدج اختي اتمنى الكل يقرأ هذا المقال لان فعلا اكو هواية ناس ممنتبهين على هاي السالفة او منتبهين بس ممفكرين بالنظرة الي انتي نظرتي للموضوع بيها

    ردحذف
  2. شكراً جزيلاً لمرورك الرائع عزيزتي صفا

    ردحذف
  3. صدقيني يا نورس الكثير من الشباب يسيرون على غير هدى ... قد تكون نضرتنا قديمة بسبب القفزات الاجتماعية التي ضاع وسطها هذا الجيل الفتي الطموح الحائر

    ردحذف
  4. لكل إنسان طاقة إذا لم يستخدمها في الصالح استخدمها في الطالح من الأمور و ليتنا نسعى لتسخير طاقات الشباب بما يرتقي بهم و بالعراق لقمة النجاح

    ردحذف