الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

الشباب ... طاقات غير موجهة



نورس الشباني
كان لأحد طلابي في الجامعة شخصية تجبر من يقابله أن يعجب به ، لديه فطنة و ذكاء ، مثابر و مجتهد في تحصيل العلم ، و يتمتع بأخلاق طيبة و يعتني بمظهره و هندامه حيث يضيف عليه الزي الجامعي رغم بساطته أناقة بالقميص الناصع البياض و البنطلون الرصاصي اللذان تظهر عليهما علامات الكي و كأنه أحضرهما من السوق تواً ...
أراه من نافذة القسم صباحاً و هو يدخل من باب الكلية يحمل محاضراته سانداً إياها على صدره واضعاً بين طياتها كل أحلامه و آمال والدته فيه حيث عرفتُ منه أنه الإبن الوحيد لها و قد وصل إلى ما هو عليه الآن بفضل سهرها و تعبها في مهنة الخياطة التي استعانت بها على تربيته بسبب فقدهم والده في حرب العراق الإيرانية و هو في الثالثة من عمره لذلك كنتُ أرى في عينيه ومضة تحدٍ و إصرار على تعويضها و إنهاء حالة الحرمان التي عاشاها طويلاً . و جاءت سنة التخرج التي اجتازها (أثير) بتفوق و حين أتى لوداعي بتلك الفرحة على وجهه و الأمل يعم كلماته توقعتُ له مستقبلاً زاهراً و رجوتُ أن تتحقق أمانيه .
تعطلت سيارتي فاضطررتُ إلى الذهاب إلى أقرب محل تصليح و إذا بي أرى شاباً يفتح عجلات إحدى السيارات و قد اتسخ و جهه و ملابسه بزيت المحركات و هو يحاول أن يخفي وجهه عني و حين أمعنتُ النظر وجدته نفس (الأثير) و لكن بوجه متعب و كاهل مثقل بالهموم و خيبة الأمل ، سألته عن حاله فأجابني بصوت واهن خجل أنه نسي كل طموحاته بسبب عدم قبول تعيينه في أي دائرة لأن خريجي كلية الآداب ليس لهم تعيين فاضطر إلى البحث عن أي عمل يكسب رزقه به .
رغم عدم تحقيق أثير النتيجة المرجوة من دراسته إلا أنه اتجه إلى استثمار طاقته في عمل آخر يعينه على العيش و لازال يملك الأمل في إتمام دراسته و الوصول إلى أهدافه المشروعة جاعلاً من قدراته وسيلة بناءة إنطلاقاً من شعوره بالمسؤولية تجاه وطنه على خلاف كثير من الشباب الذين اتجه أغلبهم إلى تمضية وقتهم بأي وسيلة تسلية كالانترنيت و نراهم يهدرون الساعات من عمرهم التي لا يدركون ثمنها الحقيقي الآن في المقاهي و التسكع على رؤوس الطريق و قضاء الوقت في أحاديث غير مفيدة و سطحية و ترك البحث عن العمل لأنه صار كالشيء النادر لا يحصل عليه إلا من امتلك المال أو الواسطة و على الرغم من أن العراق يصنف من الدول الفتية إلا أننا دولة غير منتجة و نستورد أبسط احتياجاتنا إلى أكبرها و هذا ناتج عن عدم الاستفادة من طاقات الشباب و توجيهها إلى طريق النجاح و التقدم ، فحتى لو فكر أحدهم بمشروع ما فإنه سيجد نفسه في قارب وسط البحر من دون مجاذيف تلطمه أمواج الدوائر الحكومية من دائرة إلى أخرى و مهما حاول استخدام ذراعيه ليتقدم بالقارب فإنه سيتعب من المراجعات و جملة الإحباط المتكررة على ألسنة الموظفين (راجعنا غداً) أو (شغلتك مو يمنا) و غيرها من العبارات الواهنة الأخرى مما يضطره إلى الاستسلام لليأس من تحقيق شيء من طموحاته .
و هذا بدوره يؤثر سلباً على الحالة النفسية للشاب العراقي و يؤدي إلى إحباطه و يضعف رغبته في مقاومة التحديات و التوترات التي تمر به ((و في إحصائيات أجريت عام (2004) على مجموعة من الشباب يساوي فيهم عدد الذكور لعدد الإناث حيث كان مجموعهم (٨٨٠٧) شاب تراوحت أعمارهم من ١٢ إلى ٢١ سنة أجري لهم استبيان شمل الحالة الاجتماعية و النفسية حيث كانت نسبة الشباب المزدهر هي (5.6%) و هي نسبة قليلة جداً بالمقارنة مع نسبة الشباب الأمريكي لعام 2006 التي كانت 40% )) .
و الأسباب في ذلك واضحة جداً تعود للحروب التي مر بها العراق و الحصار و العنف و الحياة الروتينية التي نعيشها الآن و أدى هذا إلى تفشي كثير من الظواهر السيئة التي لم تكن شائعة من قبل كتعاطي الخمور و المخدرات و السرقة و غيرها من الحالات التي تجر وطننا إلى الوراء و تقف حائلاً قوياً ضد تقدمه و نحن نقف كالمتفرج الممتعض مما وصل إليه البلد و هذا الامتعاض و الرفض لواقعنا المر لا يكفي إذ أن علينا أن ننطلق من الكلام إلى الأفعال و تسخير الأيادي الشابة للاستفادة من قدراتهم و علمهم و توفير فرص العمل و دعم مشاريعهم و تفعيل روح التحدي لديهم إلى ما فيه الفائدة العامة .
لكي نصل إلى الممكن من التكامل علينا أن نستجمع عناصره كافة و أن يحمل كل فرد منا شعور بالمسؤولية تجاه وطنه و أبناء بلده سواء كان أحد أفراد الحكومة أو أفراد الشعب لأنهما مكملان لبعضهما فإذا كان هذا هو المنطلق فعراقنا بخير .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.